 |
|
| |
|
مجتمع الصيادين
بالاسكندرية |
|
|
يتسع نطاق الأشياء التى يعتقد صيادو الأسماك أنها تجلب
الحظ، وتلك التى يعتقدون أنها مكروهة، لتشمل العديد من عناصر ومكونات
البيئة الساحلية من أسماك وطيور وحيوانات بحرية ورياح ونجوم..إلخ. كما
يرتبط الاعتقاد فى هذه الأشياء سواء كان سلبياً أو إيجابياً بمدى ما
تحققه من وظائف إيجابية لحرفة الصيد، وأغلب هذه المعتقدات يحمل تفسيرات
منطقية وتبريرات عقلية إلى حد كبير، لذلك يفصح الأفراد عن ممارستها،
وبعضها الآخر يبدو غير منطقى، لذلك لا يفصح الأفراد عن ممارستها
بسهولة، وحتى فى حالة الإفصاح عنها فغالباً ما ينسبونها إلى الآخرين أو
لأجيال مضت أو يشيرون إلى أن ممارستها تكون من قبيل الدعابة.
أسماك للتفاؤل.. أسماك للتشاؤم..!!
تشير آراء الإخباريين إلى وجود أنواع من الأسماك يعتبرها الصيادون
فألاً حسناً ويستبشرون برؤيتها خيراً، وفى المقابل تعد أنواع أخرى من
الأسماك من وجهة نظرهم مبعثاً للقلق والخوف الذى يصل إلى حد التشاؤم من
مجرد رؤيتها أو حتى مجرد التفوه باسمها، فمن الأسماك التى يتفاءلون
برؤيتها تلك الأنواع التى تعيش وتتحرك فى شكل أسراب أو تجمعات كبيرة
الحجم، ومن ثم يعنى وجود بعضها فى موضع معين مؤشراً لوجود المزيد،
وبذلك يتوقعون مع رؤيتها رزقاً وفيراً ورحلة صيد موفقة، خاصة إذا كانت
من الأنواع التى لا يجدون فى صيدها ضرراً يلحق بهم أو بشباكهم أو غير
ذلك من أدوات صيدهم.
وفى المقابل يتشائمون من أنواع أخرى مثل: ثعبان بحرى يطلق عليه صيادو
المنطقة "المارينا"، ونوع آخر من الأسماك يطلقون عليه "البلامة"، وثالث
يعرف بينهم بأسماك "السكوربوج"(تستخدم هذه الأسماك بعد إعدادها بطريقة
خاصة فى علاج حالات التبول اللاإرادى)، ورابع يسمى بأسماك "الفأر".
فرغم ما يذكره الصيادون عن المذاق الشهى لبعض هذه الأنواع، بالإضافة
إلى استخدام بعضها كمصدر من مصادر العلاج الشعبى لبعض الأمراض، إلا
أنها تشكل مبعثاً لتشاؤمهم.
والنظرة المتعمقة لموقف الصيادين المتشائمين من هذه الأنواع من الأسماك
تجد لها تبريرات منطقية إلى حد كبير، فثعبان المارينا، كما يؤكد
الصيادون، ذو صفوف عدة من الأسنان شديدة الحدة، الأمر الذى قد يؤدى إلى
تعرض من يصطدم بها حية إلى خطر التسمم الذى قد يصل أحياناً إلى حد
الموت.. أما الأسماك "السكوربوج والبلامة" فهى من الأنواع التى تتميز
بزعانف حادة، كما يغطى جسمها الخارجى طبقة من الأشواك البارزة، التى قد
تعرض من يمسكها حية لخطر التسمم أيضاً إذا خرجت فى شباكهم صدفة دون
ملاحظتها قبل إفراغ الشباك، أما إذا لاحظ الصيادون وجودها بشباكهم قبل
إفراغها، فرغم تجنبهم مخاطرها إلا أنها عادة ما تؤدى إلى إتلاف الشباك،
حيث أنهم عادة ما يقومون بتحريك الشباك لتتم محاصرتها فى جانب معين من
جسم الشبكة، ثم يحاولون تهشيم أسنانها (المارينا)، أو أشواكها
(السكوربوج والبلامة)، فإن نجحوا فى ذلك يقومون بتخليصها والاستفادة
منها بعد أن يكونوا قد أمنوا خطرها، وإذا ما تعذر ذلك وهو ما يحدث فى
أغلب الأحيان، كما يؤكد الصيادون، فإنهم يقومون بقص ذلك الجزء من
الشباك ويلقونه فى البحر بما فيه من أسماك، وهم فى ذلك يتكبدون خسائر
فى الوقت والجهد، علاوة على الخسائر التى تترتب على تمزيق الشباك وما
يتكلفه ذلك من نفقات وجهد آخر يبذل فى إعادة رتق وتوصيل المقاطع
الممزقة من جسم الشبكة.
ويؤكد الإخباريون أن هذه المشكلات كان تأثيرها أكثر حدة فى الماضى، حيث
عادة ما كان لكل مركب طاقم واحد من الشباك، ومن ثم تؤثر هذه المشكلات
على إمكانات استخدام الشباك، واستمرار الصيد مرات تالية خلال نفس
الرحلة، كما استمر نفس التأثير على الفئات الفقيرة من الصيادين، التى
عادة ما لا تحوز سوى طاقم واحد من الشباك خلال رحلة الصيد.
أما التشاؤم من أسماك الفأر فيدخل ضمن المعتقدات السحرية غير المنطقية،
حيث لا يقدم الصيادون لهذا التشاؤم تبريراً منطقياً، رغم أن تشاؤمهم
منها يصل إلى درجة عدم التفوه باسمها، خاصة أثناء رحلات الصيد حيث يعد
اسم الفأر "تابو" من وجهة نظرهم. ومرجع ذلك أن الفأر على حد قولهم من
القوارض، وهو كثيراً ما يؤدى إلى إتلاف أدوات الصيد خاصة الحبال
والشباك، كما قد يؤدى إلى إلحاق الضرر بهيكل المركب أيضاً، لهذا يعد
ذكر اسمه حتى وإن دعت الضرورة لذلك نذير شؤم ومؤشر لحدوث مكروه.. وفى
هذا الشأن يروى أحد الصيادين قائلاً: (كنا زمان نشتغل فى جزيرة غورو
"نلسون" بالجرافة، وكان فى سمكة بتطلع هناك كتير شبه الفار والصيادين
بيسموها فار، بس لما يلاقوها كان شرط ما ينطقوش اسمها، وأول ما كنا
نشوفها فى الشبك الكل يقول ارموها، ابعدوا دى، شيلوا البتاعه دى، مرة
كان معانا واحد قال: يعنى أنتم خايفين من الفار، البحارة كلهم قاموا
عليه وضربوه، وفعلاً اليوم ده كان نحس والغزل اتقطع).. ويكشف هذا القول
عن الدور الذى تلعبه الصدفة فى تأكيد وترسيخ المعتقدات السحرية لدى
أفراد هذه الجماعات مما يعمل على استمرارها وبقائها.
الدولفين وازدواجية المعتقد!!
فيما يتعلق بالحيوانات البحرية التى تتدخل فى إحداث ظاهرة التفاؤل
والتشاؤم يشير الصيادون إلى أن الدولفين يعد من أكثر الحيوانات التى
تلعب دوراً مزدوجاً فى إحداث هذه الظاهرة، فرؤية الدولفين قد تكون
مبعثاً للتفاؤل أو التشاؤم وفقاً لموقع تواجده، وذلك وفقاً لما يتسم به
هذا الموقع من خصائص طبيعية وجغرافية، فرؤية الدولفين فى المنطقة التى
يطلق عليها صيادو أبو قير (الغرب)، وهى المنطقة الممتدة على الساحل
الشمالى الغربى بدءً من منطقة العجمى وما بعدها حتى العلمين، تعد
مبعثاً للتفاؤل، حيث تتميز هذه المنطقة بكثرة نوع من أفضل أنواع
الأسماك مذاقاً وأغلاها ثمناً وهى أسماك المياس، وفى الوقت الذى يتعذر
فيه أحياناً اكتشاف الصيادين لمواقع أسماك المياس بسهولة، فإن حركة
الدولفينات واندفاعها الشديد فى أعماق البحر تلك المنطقة تؤدى إلى
تحريك أسراب المياس، واقترابها من سطح الماء، فتبدو أمام أعين
الصيادين، الذين يتتبعونها بشباكهم، ويحصلون بذلك على صيد ثمين وعائد
مناسب، خاصة فى الحالات التى تندفع فيها الدولفينات بعيدة عن مواقع
الأسماك بعد تحريكها، ومن هنا ارتبطت رؤية الدولفين فى هذه المنطقة
بالفأل الحسن، حيث تعد مؤشراً لرزق موفور، وفى المقابل تعد رؤية
الدولفين فى منحنى خليج أبو قير البحرى فألاً سيئاً، ومبعثاً للتشاؤم،
إذ أن الخصائص الطبيعية لتلك المنطقة، وما تتميز به من كثرة الصخور،
وارتفاعها النسبى، تؤهل الدولفينات للاقتراب من سطح الماء، ومن ثم
يمكنها رؤية الشباك لحظة طرحها فى الماء، فتندفع تجاهها بسرعة للحصول
على ما بها من أسماك مما يعرضها للتمزق، بل تشير آراء كبار السن إلى أن
هذه الدولفينات كثيراً ما كانت تعتلى هذه الصخور، وتتابع رمى الشباك،
ثم تندفع تجاه المركب بهدف متابعة الشباك، وقد يؤدى ذلك إلى قلب
المراكب وإغراقها، وتعريض طاقم الصيادين لخطر الموت غرقاً، خاصة فى
الماضى حيث ساد استخدام القوارب اليدوية الصغيرة ذات المجداف، ومن ثم
سهل على الدولفينات قلبها فى البحر بسهولة، وتؤكد أراء الصيادين كبار
السن أن هذه المنطقة كانت قديماً مسرحاً تحطمت فيه العديد من مراكب
الصيد بما عليها من بحارة، خاصة فى حالة انعدام فرص النجاة تحت تأثير
هذه الظاهرة، كما تؤكد ملاحظات الباحثة أثناء بعض رحلات الصيد ترك
الصيادين لكثير من مواقع الصيد الغنية بالأسماك بالقرب من هذه المنطقة
عند رؤية الدولفينات تعتلى صخورها خشية على شباكهم رغم استخدامهم
لقوارب آلية حديثة.. ويعلق أحد الصيادين على ذلك قائلاً:"الدرفيل عارف
أن الغزل فيه سمك جاهر يتعب نفسه هو ليه ويجرى ورا السمك فى البحر، أول
ما الدرفيل يلقى الغزل يجيى هاجم عليه وقاطم الغزل باللى فيه"!!
عصفور النيل ونيس آدم وحواء..!!
ومن الطيور البحرية التى يتفاءل بها الصيادون طائر "النورس" و"العنزة"
و"أبو بلحة"، و"عصفور النيل" الذى يسمونه أحياناً "العصفور الأسود"..
وعصفور النيل مصدر تفاؤل عظيم للصيادين حيث يذكرون أن موسم تواجده
يتواكب مع بداية موسم الفيضان مباشرة، وهو "موسم الزيادة" والخير
والبركة.. ويرى الصيادون أن هذا العصفور كان يؤنس آدم وحواء حين طردا
من الجنة، وينعكس هذا الاعتقاد فى أحد التعبيرات الشعبية المأثورة التى
عادة ما يرددها الصيادون عند رؤية هذا العصفور:"العصفور الأسود حضر،
نهارنا زى اللبن"..
جدير بالذكر أن تفاؤل الصيادين بهذه الطيور لا يحمل معانى تحريم صيدها
أو أكلها، فهم يقومون بصيد بعضها خاصة طائر النورس أثناء رحلات الصيد،
وتذبح وتطهى وتتناول كغذاء بديل للحوم، كما يجلبه بعضهم لأسرهم
ومعارفهم كغذاء وعلاج لبعض الأمراض وخاصة أمراض الحساسية الصدرية.
الرياح طيابى ومريسى..!!
تلعب الرياح دوراً مزدوجاً فى إحداث ظاهرة التفاؤل والتشاؤم، وذلك
تبعاً لمصدرها واتجاهاتها وتوقيت هبوبها، فهى إن جاءت كما تشتهى السفن
كانت مبعثاً للتفاؤل وإن جاءت عكس ذلك كانت مبعثاً للتشاؤم.
فالرياح الشمالية تشكل من وجهة نظر الصيادين مبعثاً للتفاؤل، لذلك
يطلقون عليها "ريح طيابى" من الطيب، كناية عن تأثيراتها الإيجابية على
حركة الصيد، خاصة حيث شاع استخدام التكنولوجيا اليدوية ممثلة فى
القوارب اليدوية التى تعتمد على حركة الرياح فى السير والتوجيه،
ولايزال تأثير الرياح مستمراً حتى اليوم إذ مازالت بعض الفئات الفقيرة
من الصيادين تستخدمها، رغم انتشار المراكب الآلية الحديثة بشكل كبير.
أما الرياح التى تهب من جهة الجنوب (مريسى) فهى تشكل مبعثاً للتشاؤم إذ
غالباً ما تاتى متقلبة وتؤثر سلبياً على عمليات الصيد والإبحار، ولذلك
يرتبط بها أحد التعبيرات الشعبية المأثورة "كل اللى يجى من الصعيد مليح
إلا الريح"، كناية عن التأثير السلبى للرياح الجنوبية.
أما الرياح الغربية والتى يطلق عليها الصيادون "غربى حر" فهى أيضاً
مبعث للتشاؤم، إذ غالباً ما تأتى عكس اتجاه حركة قوارب الصيد وهى فى
طريقها نحو الشاطئ بعد انتهاء رحلات الصيد. وقد ارتبط بها أيضاً أحد
التعبيرات الشعبية التى تعكس الموقف المتشائم منها:"اللى يجى من الغرب
ما يسرش القلب".
نجمة الصباح المحبوبة..!!
يتفاءل الصيادون بشدة بالنجم فريحة أو ما يطلق عليه نجمة الصباح، لأن
نجم فريحة حسب رواياتهم يسطع قبيل الفجر، ومن ثم تبشر رؤيته ببزوغ فجر
يوم جديد وانقشاع الليل، مما يقلل من حدة القلق والخوف وعدم الأمان
البيئى الذى يعيشه الصيادون ليلاً فى بيئة صعبة، كما يذكرون أن توقيت
سطوع هذا النجم يواكب الاستعداد لرمى شباك "التصبيحة" وهى أفضل مواقيت
الصيد وأكثرها رزقاً وبركة |
|
|
|
|
|