الجمعيات العلمية والفنية والسياسية فى الاسكندرية

الجمعيات العلمية والفنية والسياسية :

برزت بالإسكندرية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر فكرة الدعوة إلي إنشاء الجمعيات بهدف النفع العام للبلاد, وكوسيلة لتعليم أبناء الشعب حتى تنهض البلاد ثقافيا واجتماعيا وسياسيا وفيما يلي نعرض لذلك.


1- الجمعيات العلمية:
وكانت من الوسائل الفعالة لنشر العلوم والمعارف ومن مظاهر تقدم الأفكار والثقافة, ومن أهم هذه الهيئات "مجلس المعارف المصري "الذي أجمع رجال العلم بالإسكندرية من خلاله علي إحياء المجمع الذي أنشأه الفرنسيون خلال حملتهم علي مصر ثم أغلق بعد رحيلهم, فأحيوه في عام 1859 وسموه
Instiut Egyptien وعربوه باسم "مجلس المعارف المصري" واستمر هذا المجلس قائما في عهد الخديوي إسماعيل يؤدي مهمته في نشر البحوث العلمية, وكان من أهم أعماله قيام محمود باشا الفلكي برسم خريطة للإسكندرية القديمة.


2- الجمعيات الخيرية التعليمية:
أ‌- الجمعيات الخيرية الإسلامية:
تعد الجمعية الخيرية الإسلامية التي تأسست بالإسكندرية في عام 1878 باكورة الجمعيات الخيرية في مصر, وهي ليست جمعية خيرية فحسب كما يبدو في اسمها, وإنما كانت مصدر إشعاع ثقافي واجتماعي وسياسي ففيها كانت تتبادل الخطب ليلا في الموضوعات العلمية والتاريخية وكان من خطبائها عبد الله النديم وأحمد سمير وأديب اسحق وإبراهيم اللقاني وأحمد العوام وغيرهم من مشاهير الإسكندرية. وقد كلفت الجمعية عبد الله النديم بافتتاح مدرسة تحت نظارته, وإعانته الحكومة بمساعدة مالية بشرط ألا تكون هذه الجمعية خاصة بالمسلمين, فسميت الجمعية الخيرية المصرية, وقد قام تلاميذ هذه المدرسة بتمثيل مسرحية من تأليف عبد الله النديم اسمها "الوطن وطالع التوفيق" وكانت لهجتها تعبر عما حدث لمصر من تقهقر وعيوب اجتماعية كما كانت تدعو إلي مقاومة النفوذ الأجنبي.
ونتيجة لذلك لم يقدر للجمعية البقاء طويلاً, خاصة بعد أن تبين أن القصد من ورائها أهداف سياسية مغلقة بأهداف خيرية, فأغلقت أبوابها بعد هزيمة الثورة العرابية وظلت البلاد تعاني من نقص العمل الخيري, حتى جاءت الفرصة فاعيد إنشاء جمعية باسم الجمعية الخيرية الإسلامية بالقاهرة في عام 1892.
ب‌- جمعية العروة الوثقي الإسلامية:
تأسست في الإسكندرية في عام 1891 للقيام بالأعمال الخيرية, ونشر العلوم والأدب والصنائع وتعليم أبناء الفقراء مجانا والإعانة علي تربيتهم وإعالة العاجزين.
وقد انقسمت أعمالها إلي عدة أقسام أهمها التعليم وقد أنشأت له المدارس وكان لها ملجأ للأيتام اللقطاء باسم الملجأ العباسي يجتمع إلية كل عام نحو مائتي طفل, ولها مجلة شهرية تبحث في الدين والأدب والاجتماع والتاريخ والزراعة والتدريب المنزلي, ونتيجة لبروز أنشطة هذه الجمعية انضم إليها جمعية حماية الأطفال التي كانت قد أنشئت بالإسكندرية ثم صارت ضمن مؤسساتها.
ج- جمعية الإخلاص:
وقد تأسست في الإسكندرية في عام 1895 ثم انضمت إلي جمعية العروة الوثقي وكانت أعمالها تنقسم إلي عدة أقسام أهمها نشر العلوم واعالة العاجزين
د- جمعيات يهودية:
تأسس في الإسكندرية عدة جمعيات يهودية منها جمعية عاملة توراة في عام 1897, وجمعية مدارس الفنون والصنائع الإسرائيلية في عام 1898.


3- جمعيات إحياء فن التمثيل:
أنشئت في الإسكندرية جمعيات لإحياء وتنشيط فن التمثيل كان أقدمها جمعية أسسها عبد الله النديم من تلاميذ المدرسة الخيرية الإسلامية, وجمعية الشبان, وقد مثلت روايتين وطنيتين علي مسرح زيزينيا هما رواية الوطن وطالع التوفيق, ورواية العرب, كما تألفت جمعيات الابتهاج الأدبي, والرقي الأدبي, والتمثيل الأدبي بهدف ترويج فن التمثيل.


4- الجمعيات السياسية:
وقد ظهرت هذه الجمعية بالإسكندرية في أواخر عصر إسماعيل بتأثير من جمال الدين الأفغاني بهدف إصلاح أحوال البلاد, ووضع حد للمظالم التي يئن منها الناس, وكان أعضاؤها يشكلون مجموعة تمثل الديانات الثلاث اليهودية والمسيحية والإسلام, ومعظم هؤلاء كانوا من زهرة شباب الإسكندرية من أبناء عائلات التجار المنتمين إلي شرق البحر المتوسط المتمتعين بالحماية الأجنبية من بينهم مجموعة من اليونانيين والمالطيين والشوام, أبرزهم من بيوت أل سرسق وقطة وزغيب والمخلع, ويذكر شلبي شميل أن "غوسيو" اليوناني كان من أعضاء هذه الجمعية, كما يذكر لانداو
Landau
أن معظم قادة هذه الجمعية كانوا من المسلمين, فبالرغم من أن رئيس هذه الجمعية لم يكن معروفا فان نائبه كان محمد أمين رئيس محكمة أسيوط الأهلية, وكاتم أسرار الجمعية كان "محمود واصف" الكاتب بالحقانية يضاف إلي ذلك أن الصحفيين أمثال عبد الله النديم واديب اسحق وسليم النقاش كانوا من الأعضاء البارزين في هذه الجمعية.
وهذا يعني أن تركيبه هذه الجمعية لم تقتصر علي الأجانب المقيمين في مصر بل شملت بعض المصريين من المسلمين.
وكانت اجتماعات هذه الجمعية الأسبوعية وأخبارها ترسل إلي "يعقوب صنوع" لينشرها في جريدة "أبو نضارة" . ولما كانت الحكومة تخشى من نشاط هذه الجمعية
فقد تتبعت أمورها في محاولة منها لمعرفة أسرارها كما بحثت عن أعضائها لنقيهم ولكنها لم تهتد إليهم.
وعلي أي حال فقد كانت جمعية مصر الفتاة علي درجة من الوعي دفعتها إلي أن تصدر جريدة خاصة لها في أواخر عصر إسماعيل تحت أسم "مصر الفتاة" كانت تصدر بالفرنسية ثم يتم ترجمة مادتها إلي العربية وكانت هذه الصحيفة تدعو إلي الإصلاح والتغيير وتخليص مصر من التبعية والاستبداد, وإقامة الحكم فيها علي دعائم الحرية والعدل والديمقراطية, وكانت تنتقد النفوذ الأجنبي في مصر, كما تنتقد سياسة رياض باشا.
وعلي الرغم من أن "أديب أسحق" كان يتولي رئاسة تحريرها فإن "جمال الدين الأفغاني" كان يرسم خطة السير لهذه الصحيفة ويكتب بنفسه بعض مقالاتها باسم مستعار وهو "مظهر بن وضاح" كما كتب فيها بعض المقالات باسمه الحقيقي مثل "الحكومات الشرقية وأنواعها", و "روح البيان في الإنجليز والأفغان" , وغلي جانب ذلك فقد كتب "عبد الله النديم" وغيره من المفكرين في هذه الصحيفة التي كانت تمثل قمة النشاط السياسي للجمعية.
وقد لقيت صحيفة "مصر الفتاة" إقبالاً عظيما, وكان لها دور واضح في شرح المبادئ الوطنية, كما لفتت إليها الأنظار بروحها الجديدة.
ونظرا لتزايد هجوم هذه الجريدة في نقد الحكومة خاصة بعد موافقتها علي توسيع اختصاصات المراقبين الدوليين, ونشرها المقالات الحماسية ضدها واتهامها بالتفريط في حقوق البلاد لم تطق حكومة رياض باشا صبرا علي مسلكها فأصدرت قرارها بتعطيلها نهائياً, بحجة نشرها أخبارا اعتبرتها الحكومة مهيجة للخواطر والأفكار, حيث أمر رياض باشا بإغلاقها ثم مصادرتها, مما دفع الجمعية إلي إيقاف نشاطها السياسي خاصة بعد هجر معظم أعضائها لها خشية بطش الحكومة بهم فترك عبد الله النديم هذه الجمعية بعد أن ارتاب من نشاطها, كما تركها نائبها محمد أمين وكاتم أسرارها محمود واصف وتبعهما الكثير من أعضائها وأسسوا الجمعية الخيرية الإسلامية.
الجدير بالذكر أن هذه الجمعية أصدرت عدة منشورات, كان أبرزها المنشور المعنون لائحة إصلاح مرفوعة إلي جلالة الأمير توفيق الأول خديوي مصر خدمة من جمعية اتحاد مصر الفتاة كتب بالفرنسية وقدمه وفد من أعضائها إلي الخديوي, وقدموا أنفسهم علي أنهم مجموعة من فتيان مصر يعلمون من أجل مستقبل أفضل لها ويرون في "توفيق" خديويا مصلحا يتوقعون منه الكثير من الإصلاح.
وقد تضمنت هذه اللائحة مطالب عديدة منها ما يتعلق بالحريات والدستور والتعليم والحقوق السياسية وتوزيع السلطات وقد كتبت هذه اللائحة بدقة وبطريقة منهجية موثقة, وكانت لهجتها قوية كما أنها طويلة ومفصلة.
وعند تحليلنا لما ورد في هذه اللائحة يتضح لنا أنها تجاوزت كا ما نادي به المصلحون المصريون, وما نادي به جمال الدين الأفغاني نفسه, فواضعها قام بعملية مسح شامل لكل الجوانب العليلة والبائسة لفروع الحياة في مصر, ولم يكتف خلالها بالمطالبة بالإصلاحات المعتدلة, وإنما وضع برنامجا شاملا للإصلاح علي نمط بعيد عن حياة الشرقيين وطرق معيشتهم, فطالب بمبدأ فصل السلطات والمسئولية الوزارية أمام البرلمان, وتكوين مجلسين أحدهما للنواب والآخر للشيوخ.
وعلي الرغم من أن الخديوي لم يستحسن ما جاء في هذه اللائحة فإنه لم يستطع أن يرفضها أو يسجن أصحابها بسبب انتماءاتهم لدول أجنبية, ويبدو أن تقديم هذه اللائحة للخديوي, جعل الحكومة تفكر في إعادة النظر فيما يعاني منه الفلاحون وتخفيف الصعوبات التي يلاقونها. فألغي الأمر الصادر في 17 يناير 1880 تسع وعشرين من الضرائب والعوائد التي كان الأهالي يعدونها نوعا من العسف, وأدخل الإصلاح علي أسلوب جباية ثلاثة وعشرين ضريبة أخري, وجاء هذه الإصلاح موافقا لمطالب جمعية مصر الفتاة وجماعة حلوان كما تم توزيع مواعيد جباية الضرائب حسب المواسم الملائمة للفلاح بحيث يتم جبايتها بعد موسم الحصاد ولكن كل ذلك لم يستمر طويلا, فسرعان ما ضاق الخديوي ذرعا بهذا التيار, فأبعد الأفغاني عن مصر, وعطل الصحف المنادية باسم الحرية وأسدل الستار علي هامش الحرية التي بدأ به عهده فأقال شريف باشا وتولي هو الوزارة ثم استدعي رياض باشا من أوربا وكلفة بتشكيل الوزارة ثم جاء. الاحتلال البريطاني فأكمل هذه المسيرة.
ب‌- جمعية الشبان:
وقد تأسست هذه الجمعية بالإسكندرية بعد مظاهرة عابدين في سبتمبر 1881, لتوعية الشبان وتعبئتهم وطنيا حتى يكونوا سندا للعرابيين, وقد قامت بالاحتجاج علي لائحة إنجلترا وفرنسا المشتركة وطالبت بإنشاء بنك وطني بهدف الحد من سيطرة الأجانب علي مرافق البلاد. وكثيرا ما كان يحضر اجتماعاتها عمر باشا لطفي محافظ الإسكندرية, وقد ضمن لها السعي لدي الحكومة في مطالبها ومن أعضائها السيد إبراهيم أبو هيف وإبراهيم بك مسعود ومحمد بك شوباشي وعبد القادر الغرباني.
يضاف إلي ذلك أن العيد من المحافل المأسونية اتخذت من الإسكندرية مركزا لها, وهذه الجمعيات بأنشطتها الثقافية والاجتماعية والفنية والسياسية ساعدت علي ترقية أفكار الناس, وبث الروح الوطنية في نفوسهم.

 
 
 
 
 

 

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -